ابن الجوزي
354
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : أنها نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال المفسرون : العهد الذي يجب الوفاء به ، هو الذي يحسن فعله ، فإذا عاهد العبد عليه ، وجب الوفاء به ، والوعد من العهد ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) أي : بعد تغليظها وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين ، بخلاف لغو اليمين ، ووكدت الشئ توكيدا ، لغة أهل الحجاز . فأما أهل نجد ، فيقولون : أكدته تأكيدا . وقال الزجاج : يقال : وكدت الأمر ، وأكدت ، لغتان جيدتان ، والأصل الواو ، والهمزة بدل منها . قوله تعالى : ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) أي : بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله ، فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف عليه . وللمفسرين في معنى " كفيلا " ثلاثة أقوال : أحدها : شهيدا ، قاله سعيد بن جبير . والثاني : وكيلا ، قاله مجاهد . والثالث : حفيظا مراعيا لعقدكم ، قاله أبو سليمان الدمشقي . قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ) قال مجاهد : هذا فعل نساء أهل نجد ، تنقض إحداهن حبلها ، ثم تنقشه ، ثم تخلطه بالصوف فتغزله . وقال مقاتل : هي امرأة من قريش تسمى " ريطة " بنت عمرو بن كعب ، كانت إذا غزلت ، نقضته . وقال ابن السائب : اسمها " رائطة " وقال ابن الأنباري : اسمها " ريطة " بنت عمرو المرية ، ولقبها الجعراء ، وهي من أهل مكة ، وكانت معروفة عند المخاطبين ، فعرفوها بوصفها ، ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك ، كانت متناهية الحمق ، تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه ، ثم تأمر جاريتها بتقطيعه . وقال بعضهم : كانت تغزل هي وجواريها ، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ، فضربها الله مثلا لنا قضي العهد . و " نقضت " ، بمعنى : تنقض ، كقوله : ( ونادى أصحاب الجنة ) بمعنى : وينادي . وفي المراد بالغزل قولان : أحدهما : أنه الغزل المعروف ، سواء كان من قطن أو صوف أو شعر ، وهو قول الأكثرين . والثاني : أنه الحبل ، قاله مجاهد . وقوله : ( من بعد قوة ) قال قتادة : من بعد إبرام ، وقوله : ( أنكاثا ) أي : أنقاضا . قال ابن قتيبة : الأنكاث : ما نقض من غزل الشعر وغيره . وواحدها : نكث . يقول : لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ، ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا فيه ، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ، ثم نقضت ذلك النسج ، فجعلته أنكاثا . قوله تعالى : ( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) أي : دغلا ، ومكرا ، وخديعة ، وكل شئ دخله عيب ، فهو مدخول ، وفيه دخل .